فصل: تفسير سورة الطارق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السعدي المسمى بـ «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» **


 تفسير سورة الطارق

وهي مكية

‏[‏1 ـ 17‏]‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {‏وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا‏}‏

يقول ‏[‏الله‏]‏ تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ‏}‏

ثم فسر الطارق بقوله‏:‏ ‏{‏النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏}‏

أي‏:‏ المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق السماوات ‏[‏فينفذ حتى يرى في الأرض‏]‏، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنه ‏"‏ زحل ‏"‏ الذي يخرق السماوات السبع وينفذ فيها فيرى منها‏.‏ وسمي طارقًا، لأنه يطرق ليلًا‏.‏

والمقسم عليه قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ‏}‏ يحفظ عليها أعمالها الصالحة والسيئة، وستجازى بعملها المحفوظ عليها‏.‏

{‏فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ‏}‏ أي‏:‏ فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق ‏{‏مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ‏}‏ وهو‏:‏ المني الذي ‏{‏يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ‏}‏ يحتمل أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها‏.‏

ويحتمل أن المراد المني الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس ‏[‏به‏]‏ ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى لقال‏:‏ ‏"‏من بين الصلب والثديين‏"‏ ونحو ذلك، والله أعلم‏.‏

فالذي أوجد الإنسان من ماء دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته للبعث، والنشور ‏[‏والجزاء‏]‏ ، وقد قيل‏:‏ إن معناه، أن الله على رجع الماء المدفوق في الصلب لقادر، وهذا ـ وإن كان المعنى صحيحًا ـ فليس هو المراد من الآية، ولهذا قال بعده‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ‏}‏ أي‏:‏ تختبر سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏}‏ ففي الدنيا، تنكتم كثير من الأمور، ولا تظهر عيانًا للناس، وأما في القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور علانية‏.‏

{‏فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ‏}‏ يدفع بها عن نفسه ‏{‏وَلَا نَاصِرٍ‏}‏ خارجي ينتصر به، فهذا القسم على حالة العاملين وقت عملهم وعند جزائهم‏.‏

ثم أقسم قسمًا ثانيًا على صحة القرآن، فقال‏:‏ ‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ‏}‏ أي‏:‏ ترجع السماء بالمطر كل عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم، وترجع السماء أيضًا بالأقدار والشئون الإلهية كل وقت، وتنصدع الأرض عن الأموات، ‏{‏إِنَّه‏}‏ أي‏:‏ القرآن ‏{‏لَقَوْلٌ فَصْلٌ‏}‏ أي‏:‏ حق وصدق بين واضح‏.‏

{‏وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ‏}‏ أي‏:‏ جد ليس بالهزل، وهو القول الذي يفصل بين الطوائف والمقالات، وتنفصل به الخصومات‏.‏

‏{‏إِنَّهُم‏}‏ أي‏:‏ المكذبين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللقرآن ‏{‏يَكِيدُونَ كَيْدًا‏}‏ ليدفعوا بكيدهم الحق، ويؤيدوا الباطل‏.‏

‏{‏وَأَكِيدُ كَيْدًا‏}‏ لإظهار الحق، ولو كره الكافرون، ولدفع ما جاءوا به من الباطل، ويعلم بهذا من الغالب، فإن الآدمي أضعف وأحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده‏.‏

{‏فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا‏}‏ أي‏:‏ قليلًا، فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم العقاب‏.‏

تم تفسير سورة الطارق، والحمد لله رب العالمين‏.‏